عبد الوهاب الشعراني
105
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
واعلم أن مدح الكريم إذن من فضل اللّه وذم البخل إذن من عدل اللّه من حضرتي اسميه المعطي والمانع كما أوضحنا ذلك في رسالة « الأنوار القدسية » . فاسلك يا أخي على يد شيخ إن أردت العمل بهذا العهد ، واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . وقد روى أبو داود والترمذي وقال حديث حسن والحاكم ، وقال صحيح الإسناد مرفوعا : « من نزلت به فاقة فأنزلها بالنّاس لم تسدّ فاقته ، ومن نزلت به فاقة فأنزلها باللّه فيوشك اللّه تعالى له برزق عاجل أو آجل » . وفي رواية للحاكم : « أرسل اللّه له بالغنى ، إمّا بموت عاجل أو غنى آجل » . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « من جاع أو احتاج فكتمه عن النّاس وأفضى به إلى اللّه كان حقّا على اللّه أن يفتح له قوت سنة من حلال » واللّه تعالى أعلم . [ الحث على قبول كل ما جاءنا من الحلال : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نقبل كل ما جاءنا من الحلال من غير استشراف نفس ولا نرده ، وذلك لأنه جاءنا من عند اللّه تعالى من غير تعمد وقع منا أو اجتلاب ، قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 - 3 ] . ولا يمتن الحق تعالى على العبد إلا بما هو حلال محمود . وكانت طريقة سيدي أبي الحسن الشاذلي ، أنه لا يسأل ولا يرد ولا يدخر ، وكذلك كانت طريقة سيدي أحمد بن الرفاعي رحمهم اللّه تعالى . وفي الحديث : « من تورّع عن الحلال وقع في الحرام » . وهذا أمر ربما يخل به كثير من المشايخ فضلا عن غيرهم ، وكذلك كان دأب سيدي علي الخواص إلى أواخر عمره ، ثم قبل من الناس قبل موته وصار يضع الدراهم والدنانير عنده في قدرة ، فكل من مر عليه من العميان والعاجزين والمديونين يعطيه من ذلك ويقول ما في الكون مال إلا وله ناس يستحقون الأكل واللبس منه من أصحاب الضرورات . وسمعته رضي اللّه عنه يقول : لو كشف للمحجوبين لرأوا جميع ما يأتيهم من الناس إنما هو هدية من الحق تعالى وهو الذي قدمه إليهم فكيف يصح لصاحب هذا المشهد أن يرد . فقلت له : فأين ميزان الشريعة حينئذ ؟ فقال : موجود ، وهو أنه لو شهد أن الحق تعالى هو المعطي لا يقبله إلا إن رأى وجه رضاه به فإن المعاصي كلها بتقدير اللّه وإرادته ، ومع ذلك فيردها العبد وجوبا ويدافعها جهده حتى لا يقع في هلاكه ، فعلم أنه ما وقع لأحد رد إلا وهو محجوب في حجاب ظاهر الشريعة المطهرة ، فإن لسان حالها